مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

189

تفسير مقتنيات الدرر

« وأنثى » حال منه وإنّما قالت هذا الكلام تحسّرا على ما رأته من خيبتها رجاءها وعكس تقديرها * ( [ وَاللَّه ُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ] ) * وهو كلام من اللَّه وتعظيم من جهته تعالى لما وضعت فإنّها لمّا تحسّرت وتحزّنت على أن ولدت أنثى قال اللَّه : إنّها لا تعلم قدر هذا الموهوب واللَّه العالم بالشيء الَّذي وضعت ، وفيه من العجائب وعظائم الأمور فإنّه سيجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم به . * ( [ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثى ] ) * مقول اللَّه أيضا مبيّن لتعظيم ما وضعت ورفع منزلته ، واللام فيهما للعهد أي ليس الذكر الَّذي كانت تطلبه وتتخيّل فيه كمالا قصاراه أن يكون كواحد من السدنة كالأنثى الَّتي وهبت لها فإنّ دائرة علمها لا تكاد تحيط بما فيها من جلائل الأمور فهي أفضل من مطلوبها ، وهاتان الحملتان من مقول اللَّه تعالى معترضتان بين قول امّ مريم : « إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى » وقولها : « وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ » وفائدتهما التسلية لنفس حنة والتعظيم لوضعها . * ( [ وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ] ) * من مقول حنة عطف على قولها : « إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى » أي جعلت اسمها مريم وغرضها من عرضها على اللَّه استدعاء العصمة لها فإنّ مريم في لغتهم العابدة وخادم الربّ وأيضا إظهار أنّها غير راجعة في نيّتها وإن كانت أنثى وإنّها وإن كانت لا تصلح لسدانة البيت فلتكن من العابدات فيه ، وظاهر هذا الكلام يدلّ على أنّ عمران كان قد مات قبل وضع حنة مريم وإلَّا لما تولَّت الأمّ تسمية المولود ، وكانت مريم أجمل النساء وأفضلها في وقتها . * ( [ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ] ) * أي أجيرها بحفظك وأجير ذرّيّتها وأولادها من مسّ الشيطان المطرود . وعن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله ما من مولود يولد إلَّا والشيطان يمسّه حين يولد فيستهلّ صارخا من مسّه إلَّا مريم وابنها فوقاها اللَّه وولدها عيسى منه بحجاب . أو استعاذت باللَّه لها من إغواء الشيطان . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 37 إلى 39 ] فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ِ إِنَّ اللَّه َ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 37 ) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّه ُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) فَنادَتْه ُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّه َ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّه ِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) .